ابراهيم بن عمر البقاعي
130
نظم الدرر في تناسب الآيات والسور
الأولين « 1 » حتى نبه عمر رضي اللّه عنه من توسم في وجهه صلّى اللّه عليه وسلّم الكراهة لفعل عمر ، وإنباء كل حال منها يحسب ما يفيده الانفعال من الانبساط والانقباض والإعراض ونحو ذلك مما يتوسمه المتفطن ، ويقطع بمقتضاه المتفهم ، وأما الرسم فهو كل ما شأنه البقاء بعد غيبته ووفاته ، فيتفهم منه المعتبر حكم وضعه ومقصد رسمه ، كالذي يشاهد من هيئة بنائه مسجده على حال اجتزاء بأيسر ممكن وكبنائه بيوته على هيئة لا تكلف فيها ، ولا مزيد على مقدار الحاجة ، وكمثل الكساء الملبد الذي تركه ، وفراشه ونحو ذلك من متاع بيوته ، وكما يتفهم من احتفاله في أداة سلاحه مثل كون سيفه محلى بالفضة وقبضته فضة ، ومثل احتفاله بالتطيب حتى كان يرى في ثوبه وزره ، فيتعرف من رسومه أحكامه ، كما يتعرف من أحواله وأفعاله وأقواله ، وذلك لأن جميع هذه الإبانات كلها هي حقيقة ما هو الكلام - انتهى . وبرهان ذلك أن الأصل في الكل الكلام النفسي الذي هو المنشأ ، والقول والفعل والحال والرسم مترجمة عنه ، وليس بعضها أحق بالترجمة من بعض ، نعم بعضها أدل من بعض وأنص وأصرح ، فتهيؤ النبي صلّى اللّه عليه وسلّم للقيام من بيته مثل ما لو قال : أريد أن تذهبوا ، فإنه يلزم من قيام الرجل من بيته الذي هو محل ما يستره عن غيره أن يريد ذهاب غيره منه لئلا يطلع على ما لا يحب أن يطلع عليه أحد ، وإتيانه ليدخل فإذا رآهم رجع مثل ما لو قال : إنما يمنعني من الدخول إلى محل راحتي جلوسكم فيه لثقل جلوسكم عليّ ، وكذا الأحوال والرسوم - واللّه الهادي . [ سورة الأحزاب ( 33 ) : الآيات 54 إلى 56 ] إِنْ تُبْدُوا شَيْئاً أَوْ تُخْفُوهُ فَإِنَّ اللَّهَ كانَ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيماً ( 54 ) لا جُناحَ عَلَيْهِنَّ فِي آبائِهِنَّ وَلا أَبْنائِهِنَّ وَلا إِخْوانِهِنَّ وَلا أَبْناءِ إِخْوانِهِنَّ وَلا أَبْناءِ أَخَواتِهِنَّ وَلا نِسائِهِنَّ وَلا ما مَلَكَتْ أَيْمانُهُنَّ وَاتَّقِينَ اللَّهَ إِنَّ اللَّهَ كانَ عَلى كُلِّ شَيْءٍ شَهِيداً ( 55 ) إِنَّ اللَّهَ وَمَلائِكَتَهُ يُصَلُّونَ عَلَى النَّبِيِّ يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا صَلُّوا عَلَيْهِ وَسَلِّمُوا تَسْلِيماً ( 56 ) . ولما كان بعض الدال على الكلام - كما مر - أصرح من بعض ، فكان الإنسان قد يضمر أن يفعل ما يؤذي إذا تمكن ، وقد يؤذي بفعل يفعله ، ويدعي أنه قصد شيئا آخر مما لا يؤذي ، قال تعالى حاملا لهم على التفطن والتنبه في الأقوال وغيرها والمقاصد الحسنة ظاهرا وباطنا ، على طريق الاستئناف في جواب من ربما انتهى بظاهره ، وهو عازم على أن يفعل الأذى عند التمكن : إِنْ تُبْدُوا أي بألسنتكم أو غيرها شَيْئاً أي من ذلك وغيره أَوْ تُخْفُوهُ أي في صدوركم . ولما كان فعل من يخفي أمرا عن الناس فعل من يظن أنه يخفى على ربه ، قال
--> ( 1 ) تقدم تخريجه .